تحريك لليسار
الحفل السنوي لتخريج طلاب ورواد مركز الإمام الخميني الثقافي كتب حول الإمام سلسلة خطاب الولي متفرقات سلسلة في رحاب الولي الخامنئي(دام ظله) سلسلة الأدب والشعر سلسلة الدروس الثقافية سلسلة المعارف الإسلامية سلسلة الكلمات القصار
سجل الزوار قائمة بريدية بحث
 

 
مواضيع ذات صلة
الإمام علي ع في فكر الخميني قدهالتوجّه الشعبي وحبّ الناسمئة كلمة عرفانيةروح الله الموسوي الخمينيإنكسار الشمس (مشهد من رحيل الإمام)
 
التصنيفات » مقالات » سيرة الإمام الخميني » القدوة والأسوة
عزّة النفس والإحساس بالمسؤولية
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة  

لا أرغب أن يُساء إلى شخصيّتك
في إحدى الليالي صادفتُ الإمام في أحد الأزقّة متوجّهاً لزيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين. ولأنّي كنتُ أودّ أن أكون برفقته، لذا قرّرت السير خلف سماحته في الطريق إلى الصحن الشريف. غير أنّ الإمام تنبّه إلى وجودي، فتوقّف عن السير والتفت نحوي وقال: "هل لدى السيّد أية أوامر؟" قلتُ: كلا، وإنّما وددت أن أكون برفقتك فحسب، لأنّ هذا الأمر يُسعدني.. فقال سماحته: "شكر الله سعيكم. أشكركم على حسن ظنّكم، إنّكم سادة حقّاً، وأحد الطلبة المحترمين، لذا لا أرغب أن يُساء إلى شخصيّتكم من خلال سيركم خلفي"1.

لم أره يطلب شيئاً مطلقاً
لم يُعرف عن الإمام بأنّه طلب شيئاً من أحد، أو قبِل منّة أحد.. فطول الفترة التي عرفته بها لم أره يترجّى أحداً مطلقاً.. على سبيل المثال إذا ما كان أحد الباعة يبيع سلعته بسعر مجحف، فلم يقل له شيئاً ليُخفّض السعر وإنّما كان يتركه ويمضي2.

الله ضامن رزقكم
انتاب القلق بعض الطلبة وأساتذة الحوزة بعد وفاة المرحوم آية الله السيّد البروجردي.. البعض كان قلقاً من أجل مستقبل الحوزة. والبعض الآخر من قصيري النظر، كانوا قلقين إزاء الأزمة المالية التي ستعصف بالحوزة. وصادف ذلك مع اقتراب شهر محرّم الحرام حيث يتوجّه طلبة العلوم الدينية إلى مختلف أنحاء البلاد للتبليغ. وإنّ بعض السادة كانوا قد نصحوا هؤلاء الطلبة باطلاع الناس على حاجة الحوزة إلى المال.. غير أنّ الإمام كان قد أوضح في خطابه للمبلِّغين: "حذار أن تُسيؤوا إلى سمعة الحوزة وتريقوا ماء وجهها عند ذهابكم إلى المحافظات والمدن، وتمدّوا يد الاستجداء من أجل الحوزة.. الله وحده الضامن لرزقكم وصيانة الحوزة"3.

لا تقلقوا على رزقكم
إثر وفاة آية الله السيّد البروجردي، تعطّلت الحوزة العلمية في قم أربعين يوماً.. وفي اليوم الأول من عودة الدراسة، قال الإمام ينصح الطلّاب في المسجد الأعظم: "لا تقلقوا على رزقكم أبداً".. إذ كان القلق قد انتاب الكثير من الطلّاب إثر وفاة آية الله البروجردي لئلّا تُقطع (الشهرية) عنهم. غير أنّ الإمام كان يوصيهم: "لتكن هممكم عالية، وأن لا تكون للدنيا أيّة قيمة في اهتماماتكم ولو بمقدار قشّة"4.

ليتحلّى الطلّاب بعزّة النفس
كان الإمام يحرص على أن يتّصف طلبة العلوم الدينية بالكرامة وعزّة النفس.. وأحياناً كان يأتي بعض الطلّاب ويتخضّعوا معربين عن عوزهم واحتياجهم. غير أنّ الإمام كان حازماً تجاه مثل هذا التصرّف. طبعاً لا يعني هذا أنّه لم يحاول مساعدتهم، ولكن كان يرفض التذلّل والسلوك المذلّ.. وحدث أن حاولتُ لفتَ نظره عن طريق التلويح أو التلميح، بأنّ فلاناً بحاجة إلى مساعدة. فكان سماحته يُرحّب بذلك ويُقدّم له يد العون والمساعدة. ولكن إذا ما حاول الشخص أن يطلب بلسانه، كان الإمام يستاء من ذلك. فكثيراً ما كان يحدث أن يأتي البعض، ممن يجهلون أخلاق الإمام، ويعربون عن حاجتهم، فكان الإمام يردّ أيديهم ويحاول أن يُفهمهم بأنّ مثل هذا التصرّف غير صحيح، خاصّة إذا ما كان في معرض أنظار الآخرين.. إذ كان سماحته يودّ أن يحترم الطلّاب أنفسهم ويتحلّوا بعزّة النفس، وأن يُعزّزوا حالة التوكّل لديهم5.

كان يحرص على إشاعة القناعة بين الطلّاب
كان بعض الطلّاب يأتي بالحقوق الشرعية للإمام. وكان سماحته يتعامل مع هؤلاء الطلبة بشكل بنّاء مما يحول دون بروز روحية التوقيع لديهم، ويُعزّز قناعتهم، ويرفض الخضوع والتذلّل من أجل المال.. وفي هذا الصدد اقترح عليّ بعض الأصدقاء بأن أطلب من الإمام أن لا يتشدّد كثيراً في هذه القضايا، ولكنّي رفضت. لأنّي كنتُ واثقاً من أنّ الإمام يحرص كثيراً لئلّا يوجد لدى البعض الرياء والتملّق، وإذا كانت أرضية ذلك موجودة لدى البعض، فإنّ تصرّف الإمام هذا يسعى للتخلّص منها6.

هكذا زيارة لا تليق
كان بعض الطلّاب وعلماء الدين الإيرانيين يتوجّهون إلى العراق بصورة غير قانونية عن طريق آبادان، لزيارة كربلاء والنجف. ولهذا كان البعض يواجه متاعب على الحدود، حيث يتمّ اعتقالهم وسجنهم وإيذاؤهم من قِبَل المسؤولين العراقيين. وربما كانوا يتعرّضون للإساءة والإهانة. وفي كثير من الأحيان كان يتدخّل السادة العلماء لإنقاذهم.. وفي إحدى الليالي كنتُ عند الإمام في النجف، فأعرب سماحته عن قلقه إزاء ذلك موضحاً: "إنّ زيارة الإمام الحسين مرفوضة تماماً إذا ما اقترنت بكلّ هذا الذلّ والخنوع"7.

أنا أمنّ عليك
في النجف جاء إلى الإمام شخص كانت متراكمة عليه ديون ملفتة من الوجوه الشرعية، وبعد أن سدّد ما عليه من حقوق شرعية، قال كلاماً استنبط منه الإمام بأنّ الرجل يريد أن يمنّ عليه فيما سدّد من حقوق، مما أغضب الإمام ودفعه للقول: "أنا الذي ينبغي لي أن أمنّ عليك، لأنّي أعتقت رقبتك من مسؤولية كبيرة وألقيتها على عاتقي"8.

لم أذهب وراء المال طول عمري
كثيراً ما كان يُقال إلى الإمام: إنّ الكثير ممّن يأتون إلى مكّة إنّما هم من المقلّدين لسماحتكم، ولديهم مشاعر خاصّة تجاهكم، ويودّون تسديد حقوقهم الشرعية إليكم، لذا فمن الضروري أن تُرسلوا مندوباً عنكم إلى مكّة.. غير أنّ الإمام كان يرفض ذلك. حتى أنّ البعض كان يقترح على الإمام إرسال الحاج السيّد مصطفى لهذه المهمّة. ولكنّه كان يرفض.. وأخيراً اقترح عليّ الحاج السيّد مصطفى في إحدى السنوات أن أتوجّه إلى مكّة مندوباً عن الإمام، وأن أتولّى جمع الحقوق الشرعية بصفتي وكيلاً للإمام..

عندما التقيتُ الإمام لتوديعه، قال لي كلمة لا زالت ترنّ في أذني. إذ قال: إنّني لم أذهب وراء المال طوال حياتي. وأُريد أن يكون رفقائي بهذا النحو أيضاً.. ذلك أنّه كان قد تنادى إلى سمع الإمام، بأنّه عندما كان يأتي أحد التجّار كان البعض يتراكض وراءه، والبعض الآخر يحاول أن يلتقيه كي يتسلّم منه الحقوق الشرعية.. ثم قال لي: لا أُريد أن أراك بين القوافل، فليس هناك أيّة ضرورة لأن تتوجّه إلى القوافل، قد يتصوّر البعض، كونك وكيلاً عنّي، بأنّك جئت لاستلام الحقوق الشرعية.. وإذا ما جاءك أحدهم وسأل منك مسألة، أجب عن مسألته فحسب. وإذا أراد أحدهم تسليمك أموالاً خذها ولا تُردّها. واعلم بأنّي لا أسمح لك بالتملّق مطلقاً من أجل أن تجلب لي المال.. اترك الناس يُقدّمون حقوقهم الشرعية بالنحو الذي يرتؤونه. ابقَ أنت في مكانك، ومن يريد إعطاء حقوقه الشرعية يأتي إليك9.

لا تذكروا اسمي
قبل أن يتمّ نفي الإمام، كان أحد التجّار الكبار شيّد مسجداً في طهران وطلب من الإمام أن يُرشّح له شخصاً ليتولّى إمامة المسجد. وقد وافق الإمام على ذلك مكرهاً. وعندما رشّح الشخص المناسب، أوصاه قائلاً: "عليك، فضلاً عن التبليغ والإرشاد، أن لا تنسى أمرين، الأول: أن لا يُذكر اسمي في هذا المسجد. والثاني: أن تتصرّف مع صاحب المسجد بصورة لا يتصوّر معها بأنّك طامع في ماله وثروته"10.

لا أتقدّم بطلب
كثيراً ما كنّا نشهد عن كثب مواقف الإمام الحازمة إزاء ظلم الظالمين وجبروت الطغاة، وحيال ممارسات حكومة البعث العراقي الكافرة. ومن هذه المواقف ما حدث أثناء توجّه المرحوم آية الله السيّد الحكيم إلى بغداد احتجاجاً على ممارسات نظام البعث العراقي. حيث كان المسلمون الشيعة يأتون جماعات جماعات لزيارته من مختلف أنحاء العراق. وكان ذلك يُشكّل بحدّ ذاته تحرّكاً مناوئاً للحكومة العراقية. ولهذا حاصرت السلطات البعثية منـزل آية الله السيّد الحكيم وهاجمته. ومن ثم قامت باعتقال كلّ من يأتي لزيارته. ممّا اضطر السيّد الحكيم للانتقال إلى الكوفة احتجاجاً على تصرّفات الحكومة، فضلاً عن تعطيل دروسه. وفي أواخر عمره ودّع المرجع الأعلى للشيعة الحياة في الغربة مظلوماً. وإنّ علماء الدين في النجف كانوا قد امتنعوا عن التردّد على منـزل سماحته واللقاء به خوفاً من غضب وبطش النظام البعثي العراقي.. بيْدَ أنّ الإمام، وبوحي ممّا اتّصف به من صلابة وشجاعة، كان يبعث المرحوم الحاج السيّد مصطفى كلّ يوم إلى منـزل السيّد الحكيم لتفقّده. ولهذا أقدم النظام العراقي على اعتقال السيّد مصطفى ونقله إلى بغداد. وحينها سادت النجف أجواء من الرعب. وكانت الحشود تأتي إلى منـزل الإمام تستنكر عمل السلطات البعثية وتطالب بإطلاق سراح الحاج السيّد مصطفى. غير أنّ الإمام كان يردّ عليهم قائلاً: "النضال فيه متاعب وآلام، ومن يخطو في هذا الطريق لن يتقدّم إلى عدوّه بمثل هذا الطلب، حتى وإن أرادوا قتل مصطفى فلن أتقدّم إليهم بإطلاق سراحه".. وقد بقي المرحوم السيّد مصطفى معتقلاً في بغداد أسبوعاً تقريباً، ولم يكن يعرف أحد عن مصيره مطلقاً11.

أنا شخصيّاً لن أتدخّل
كان الإمام مقتنعاً تماماً بأنّه لن يسمح لنفسه بأن يترجّى أحداً لا يؤمن به أساساً ويعتبره من الظلمة والفسقة.. كان هذا مبدأه في الحياة.. وفي إحدى المرّات تمّ اعتقال مجموعة من عناصر (مجاهدي خلق) في العراق. وفي هذا الصدد جاء شخص يُدعى (تراب حق شناس) إلى النجف يحمل معه رسالة من آية الله السيّد الطالقاني إلى الإمام كانت قد كُتبت بالحبر غير المرئي. عندما التقى الإمام أظهر المكتوب في الرسالة.. وإنّ آية الله الطالقاني، وكي يطمئنّ الإمام بأنّ الرجل - حق شناس - مرسل من قبله، أوصاه بأن يذكر له خاطرة كانت له مع سماحته والسيّد الزنجاني. كما أنّ الإمام قد سلّمني رسالة المرحوم آية الله طالقاني للتأكّد من صاحبها.. طبعاً هذه الرسالة شكّلت هي الأخرى خاطرة بيني وبين آية الله طالقاني عندما التقيته من وراء القضبان. وأنّ آية الله الطالقاني كان قد طلب في رسالته من الإمام التدخّل ومطالبة المسؤولين العراقيين بإطلاق سراح أعضاء منظّمة (مجاهدي خلق).. بعد اللقاء قال الإمام: "المسألة بحاجة إلى تفكير".. وفي اليوم التّالي عندما التقيته قال سماحته: "أنا شخصيّاً لا أتدخّل. لأنّي إذا طلبتُ أمراً من البعثيين سأكون مديوناً إليهم في المستقبل، وسيطلبون منّي أشياء".. وفيما حاولت التوضيح بأنّ مثل هذا التدخّل ربما يكون مؤثّراً، قال سماحته: "إذا ما كان السيّد طالقاني والسيّد زنجاني حاضرين هنا وطلبا كلاهما منّي التدخّل، لن أتدخّل، لأنّني أرفض تماماً أن أطلب أمراً من شخص لا أؤمن به وأعتبره من الظلمة والفسقة. ولكن إذا كان بوسعكم أن تفعلوا شيئاً، فلا بأس بذلك"12.

أذهب إلى الفيضية بقدمين حافيتين
عندما وصل خبر هجوم القوّات الحكومية الخاصة - الكماندوز - على المدرسة الفيضية، وقيامهم بإلقاء الطلبة من فوق السطح والأدوار العليا للمدرسة، وقد انهالوا عليهم بالضرب بالعصي والحجارة، عندما وصل الخبر طُلب من الإمام بأن يأذن لنا بإغلاق باب المنـزل. ذلك أنّ ثمّة أنباء تردّدت عن نية أزلام السلطة مهاجمة منـزل الإمام بعد المدرسة الفيضية. فرفض الإمام قائلاً: "كلا، ليبقى باب المنـزل مفتوحاً".. وعندما قيل لسماحته بأنّ من الممكن أن تُهاجم القوّات الخاصّة المنـزل، ردّ بحزم أكبر بالرفض.. وفي المرّة الثالثة وفي ردّه على اقتراح السيّد اللواساني: أيّها السيّد، ائذن لي بأن أُغلق باب المنـزل، قال الإمام : "أيّها السيّد! انهض واخرج من بيتي. تطلب منّي إغلاق باب منـزلي، وأبنائي يُضربون ويُجرحون ويُقتلون في المدرسة، وأنا هنا أُغلق باب المنـزل كي أبقى في مأمن؟ إذا أردتم أن تفعلوا ذلك، فسآخذ عباءتي تحت إبطي وأتوجّه إلى المدرسة الفيضيّة بأقدام حافية"13.

عفّة الشخصية
البساطة والعفوية في التعاطي مع مناحي الحياة، واحدة من أنسب الأساليب في تجسيد المعرفة الإنسانية بمعنى الحياة. ذلك أنّ المداهنة والتصنّع في التعبير عن التوجّهات الشخصية تستطيع بمفردها أن تُبرهن جيّداً على جهل المرء بحقيقة الحياة والنمو التكاملي للشخصية. إذ لا نجد في التاريخ شخصية سمت وتكاملت، حاولت أن تستحوذ على اهتمام الناس وتدخل قلوبهم عن طريق المداهنة والتصنّع.. إنّ استغناء الذّات الإنسانية تضع شخصيّة الفرد في مرتبة من الرشد والنمو لا تسمح له باعتماد المظاهر وسيلة للنجاح.. فالابتسامة الطبيعية، والبكاء الطبيعي، والنظرة الطبيعية، والسلوك الطبيعي، والتعامل مع الناس بصدق وأصالة، كلّ ذلك يكشف عن استغناء شخصية الإنسان.. وإنّ مثل هذه الحالة الروحية التي كان يتمتّع بها الإمام قدس سره كانت موضع اتفاق كلّ الذين رأوا الإمام وتعرّفوا عليه عن كثب14.
 


1- السيّد حميد روحاني، مقتطفات من سيرة الإمام الخميني قدس سره، ج2، ص130.
2- آية الله الشيخ جعفر سبحاني، ج3، ص265.
3- آية الله توسّلي، ص265.
4- حجة الإسلام زين العابدين باكوئي، ص266.
5- حجة الإسلام عميد زنجاني، ص266.
6- آية الله محمدي جيلاني، ص267.
7- حجة الإسلام سيد مجتبى رودباري، ص268.
8- حجة الإسلام أنصاري كرماني، ص269.
9- آية الله خاتمي يزدي، ص271.
10- آية الله حسن صانعي، ص273.
11- حجة الإسلام محتشمي بور، ص273.
12- حجة الإسلام دعايي، ص275.
13- علي غيوري، ج1، ص138.
14- العلامة محمد تقي جعفري، مرآة الجمال، ص77-78.

15-02-2018 | 08-57 د | 418 قراءة
الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد

أخر تحديث: 2018-06-28
عدد الزيارات: 2895989

Developed by Hadeel.net جمعية مراكز الإمام الخميني (قدس سره) الثقافية في لبنان